الجزيري / الغروي / مازح

34

الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت ( ع )

أما من أجاز المزارعة بالمعنى المذكور وهو تأجير الأرض بما يخرج منها فقدر رأى أن الحديث عام وليس فيه ما يدل على أن الجواز خاص بهذه الأرض بدون غيرها ، ولأن العلة وهي كون الأجرة مجهولة موجودة أيضا في المساقاة ، فإنه يجوز أن لا يثمر النخل أو يشيص أو تجتاحه آفة فيضيع على العامل عمله . على أن الذي منع المزارعة بالمعنى المتقدم أجازها تبعا للمساقاة ، وفيها تأجير الأرض بمجهول على أي حال . وحينئذ تكون المزارعة مستثناة من منع التأجير بمجهول كالمساقاة ، لما في ذلك من مصلحة الناس وعدم الحرج ، فإن بعضهم قد يملك أرضا وليس له قدرة على زرعها ولا يجد من يستأجرها . وبعضهم لا يملك أرضا ولكن له قدرة على الزرع ويرغب في زرع الأرض على أن يكون لكل منهما نصيب شائع معلوم مما يخرج منها فإذا منعنا ذلك فقد أضعنا على الفريقين مصلحة وضيّقنا عليهما ما فيه سعة وليس للشريعة الإسلامية غرض في ذلك إنما غرضها مصلحة الناس وراحتهم والتوسعة عليهم . هذا بيان وجهة نظر كل من الأئمة المتنازعين في جواز المزارعة ( أو تأجير الأرض بما يخرج منها ومنعه ) وبديهي أن كل واحد من الفريقين إنما يبحث في تفكيره عن المصلحة التي تنشدها الشريعة الإسلامية ويناضل عن الفكرة التي تقضي إلى الحصول على تلك المصلحة والبعد عن الضرر الذي يلحق العامل الضعيف أو يصيب غيره . وإذا كان الحال على ما ذكر فإنه يمكننا أن نطبّق رأي الفريقين على ما هو واقع في زماننا وأن نختار ما هو مناسب لمصالح الناس ومنافعهم . فمن الناس من ينتهز فرصة حاجة العامل الشديدة إلى العمل فلا يعطي له أرضه إذا غبنه غبنا فاحشا وأرهقه إرهاقا شديدا ، فإذا ما دفعته الحاجة إلى العمل مزارعة في تلك الأرض كانت نتيجة عمله للمالك خاصة ، فيستولي على غلَّتها فوق ما يفرضه علينا من مال وعمل ، وهذا لا يجوز في نظر الشريعة الإسلامية التي توجب مساعدة المضطر ومعونة العامل الضعيف . فلهذا ينبغي تحذير الناس من المزارعة التي يترتب عليها حرمان العامل من كدّه واستغلال المالك إياه لحاجته . وعند ذلك يفتي برأي المالكية الذين يشترطون المساواة في الربح بنسبة ما قام به كل من الشريكين من عمل أو أرض أو نحوهما ، . حتى لا يطمع أحدهما في صاحبه . أما إذا كانت عاطفة الخير متبادلة بين الناس وكل من الشريكين لا يريد إلا